عفيفى.. والآخرون!

 

يعتبر كثير من أبناء الإسكندرية الفنان محمد عفيفى والدا لهم بجانب كونه أستاذا ، فقد اجتذب بشخصيته الهادئة وابتسامته الجذابة وتمكنه الفائق من فنه وإخلاصه له أناسا من جميع الأعمار والفئات ، منهم من كان حريصا على الاستماع إليه فى ندواته وبروفاته دون الاشتراك الفعلى فى أى نشاط حبا فى الالتفاف حوله والاستمتاع بما يقول ، وكان حكاياته عن الفن وأهل الفن لا تنتهى ، ومنهم من احترف الموسيقى وأصبحت له عملا مستقلا ، ومنهم من لمع واشتهر
ومن أعماله أنه قدم أكثر من أربعمائة لحن ونشيد لمدارس الإسكندرية تعزف فى المناسبات المختلفة 
وليس هناك فنان من الإسكندرية لا يعرف محمد عفيفى ، فقد عرفه جميعهم الكبار منهم والصغار ، وظل مرجعا للكثيرين عند اضطلاعهم بالقيام بأعمالهم الخاصة ، وكان لذلك الفضل فى نجاح فنانين بإشرافه على أعمال بعينها كانت سببا فى شهرتهم ، على سبيل المثـال أغنية "يا زايد فى الحلاوة" التى ذاع صيتها فى الإسكندرية كثيرا لجمال لحنها الذى ظهر فيه الطرب الأصيل من غناء عزت عوض الله ، ولحن "يا منور حارتنا" ، وللمطرب كارم محمود اللحن الشهير "أمانة عليك" 
أما الملحن كمال الطويل فقد ذكر الشيخ زكريا أحمد عنه فى مذكراته أنه استقبله ذات يوم ليتعرف على موهبته الفنية فنصحه بتعلم الموسيقى والعزف على العود كى يكون له مكان بين الملحنين الأقدار ، وقد تعلم كمال الطويل على يد محمد عفيفى فى معهد الموسيقى العربية ثم احترف الفن بعد ذلك وأصبح من أفضل الملحنين المصريين بل وضع موسيقى النشيد الوطنى المصر فى فترة هامة فى تاريخ مصر وهو نشيد "والله زمان يا سلاحى" الذى غنته أم كلثوم 
أما الشيخ زكريا فقد كان صديقا لمحمد عفيفى وكان يزوره باستمرار فى الإسكندرية ، وقد تأثر الفنانان بأحدهما الآخر فكان محمد عفيفى يعجب كثير بألحان زكريا وخاصة " قفلاته" اللحنية والتى لم يكن يستطيع أداءها إلا فنان متمكن ، وكذلك تمسكه بالخط الشرقى والشعبى الأصيل ، ومن أحد ألحان محمد عفيفى التى تأثر بها زكريا أحمد اللحن الأساسى فى أغنية "انت جيت" التى كان قد أعدها لأم كلثوم وأسمعها لزكريا قبل أن يقدمها إليها ، وظهر ذلك اللحن بعد ذلك فى الأغنية الشهيرة " الورد جميل"! 
نعم ، إن محمد عفيفى لم يكن يأبه كثيرا إذا اكتشف أحد ألحانه يؤديها آخر وينسبها لنفسه ، ولكن مرجع ذلك كان إلى أن كل الذين أخذوا عنه كان يحبهم ولم يشأ أن يفسد علاقته بهم أى شئ!
ويكفى للاستدلال على ذلك أنه لم يبح بهذا لأحد إلا لأقرب الناس وفى مناسبات محدودة للغاية منهم ابنه أسامة الذى تعلم الموسيقى أيضا وكان يتعجب من عدم بوح أبيه بهذه المعلومات طوال هذه السنين وهو يفاجأ عندما تأتى المناسبة فيذكر له والده أن هذا اللحن أو ذاك أصله من أحد ألحانه ويسمعه له وقد صيغ لكلمات مختلفة ويندهش لتطابق الألحان ويسأله لماذا لا يعرف الناس هذا فيرد قائلا: " ما احبش ازعلهم"..
ولم يكن هذا الموقف أبدا عن ضعف أو قلة حجة فمحمد عفيفى له صولات وجولات فى ساحات القضاء يرفع الدعاوى على من يختصمه ويكسبها دائما لأنه كان على حق فى كل مرة، ومن دعاواه الشهيرة قضية مطربة القطرين فتحية أحمد ، فبعد أن طلبت من التلحين لها وكانت هى التى سعت إليه ، ولم يكن قد لحن لها غير القصبجى وزكريا والسنباطى ، رفضت تسديد ثمن بعض الألحان المتفق عليه ، وكاد الفنان الرقيق أن يسكت كعادته لولا أنها عند مطالبته لها عن طريق أحد أصدقاء الطرفين تفوهت بكلمة أثارت غضبه الشديد ، فقد قالت "ألا يكفيه أنه لحن لفتحية أحمد؟"! وهنا ثارت كرامة الفنان التى وضعها دائما فوق كل اعتبار، فقرر مقاضاتها على الفور واستمر نظر القضية 15 سنة تغير فيها أحوال فتحية ونسيها الناس وفقدت سلطانها وثروتها معا ، ولم تعد تستطيع أداء ثمن الألحان ، ولما أحست باقتراب الحكم فى القضية لصالح محمد عفيفى أرسلت له أكثر من رسول يرجونه العفو عنها والتنازل عن حقه لعدم استطاعتها الوفاء به ، ولم يأبه الفنان لتوسلاتها وأصر على أن تدفع فتحية الثمن مرتين ، مرة بدفع المبلغ نفسه ، ومرة بدفعه وهى لا تستطيع ، بالفعل حكمت المحكمة لصالحه وهى لا تملك المال الكافى فصدر أمر بالحجز على ما تبقى من مملكاتها وبيع لصالح تنفيذ الحكم بأمر لمحكمة
وهنا فقط استراح محمد عفيفى وقد ثأر لكرامته
وله أيضا قضية مع وزارة الثقافة التى حجبت عنه مكافآت استحقها عن عمل خمس سنوات متصلة دون أن يصله مليم واحد ، وأحس محمد عفيفى أن الفساد الإدارى قد زاد عن حده فقرر مقاضاة الوزارة ، ولما شعر المسئولين بحجم القضية وخاصة عندما تسرب الموضوع للصحف أرسلوا إليه أكثر من عرض للتسوية ، لكنه لم يرضخ للمساومات ، ورغم أن المبلغ المستحق لم يكن يمثل ثروة لكن أبعاد القضية الأدبية كانت كافية لإزعاج المسئولين أيما إزعاج ، ولا سيما أنها كانت "فلوس ميرى" ولا يمكن دفعها بسهولة فلا بد من تبرير أو اعتراف بالإهمال ، واستمرت المداولات بين الإسكندرية والقاهرة إلى أن جاء موعد جلسة النطق بالحكم بمحكمة االإسكندرية وإذا بمندوب الوزارة يفاجئ الحاضرين بأن الوزارة قررت دفع المبلغ المطلوب بالكامل قبل النطق بالحكم ، وتم دفعه فعلا داخل قاعة المحكمة ونقدا..! وهكذا أفلت المهملون من حكم مشين 
لهذه المواقف وغيرها التى تبين تشدد محمد عفيفى فى الحق والكرامة لا يمكن بأى حال اعتبار أن تنازله عن بعض ألحانه لغيره ، والتى كانت سببا فى شهرتهم وكسبوا من ورائها الكثير ، كان بسبب ضعف أو انعدام الحجة ،، فقد كان هؤلاء إما تلامذة له أو أصدقاء أو فنانين حبهم وأحبوه وأراد لهم الخير والنجاح ومنحهم ما استطاع عن حب وتقدير ، وهو الذى كان يردد إذا ما سأله الناس عن موقفه إذا سرق أحدهم ألحانه " حد يقدر؟".. 
وقد اقترب محمد عفيفى من الشيخ زكريا كثيرا حتى أنه قد حفظ عنه بعض ألحانه التى لم تقدم جماهيريا ، ومنها لحن "البرنيطة" ولحن "قدر ده وده .. ياما ناس كمالة عدد !" من كلمات بيرم لتونسى وقد اهتم فناننا بتقديم تلك الأعمال بينما كان يحتفى كل عام بذكرى ميلاد زكريا أحمد ، وأيضا لتقديره الخاص لبيرم وشعره وقد لحن له خمسة ألحان منها " ع السين يا مصر مشيت" ، واستمر فى تقديمها للجمهور كل عام بل وتحفيظها للأجيال الجديدة وفاء لصديقه الذى أحبه وأحب فنه
وهناك كثيرون فى الإسكندرية اكتشف موهبتهم محمد عفيفى وقدمهم للجمهور ، ولكن ربما كان أجل خدماته لهم أنه ساعدهم على احتراف الفن "على أصوله" فأصبح لهم عملا ومورد رزق ، وبدلا من أن يرتمى الفنان من هؤلاء فى أوساط الملاهى والأفراح كان يدعوهم إلى الدراسة العلمية ونيل شهادات محترمة فمنهم من أصبح مدرسا للموسيقى ومنهم من عمل بالإذاعة ، ومنهم من اتجه للقاهرة وسطع نجمه ، ومنهم من سافر للخارج وكون ثروة من عمله بالموسيقى
وكل هؤلاء يعترفون بالجميل لأستاذهم ويقدرونه حق التقدير ، إلا أنه لم يتقاضى من أحد ثمن ما أصبح عليه ، كان ينظر إليهم كأنهم أولاده .. ومن الذى ينتظر من أولاده شيئا؟ .. وكان يشعر فى قرارة نفسه أنه قد خدم الفن أولا بإضافة محترمة ثم خدم الناس للإنسانية ليس إلا ، وهو فى الحالين يؤدى خدماته لوجه الله لا يريد من أحد جزاء أو شكورا...وإنما هى رسالته أن يرقى لناس بفكرهم وفنهم إلى أعلى المراتب فى وسط من السهل فيه الانزلاق والضياع ، وقد كان هو نفسه قدوة للجميع فلم يعرف عنه لهو ولا استهتار ، وقد غرس مع فنه حسن الخلق والمثل العليا فى قلوب الناس

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

محمد عفيفى.. شيخ الموسيقيين والملحنين

عفيفى.. والإسكندرية!

عفيفى.. والفن!

عفيفى.. والآخرون!

محمد عفيفى.. سيرة حياته

السجل الفنى - من أعماله الفنية

تسجيلات

محــافظ الإســكندرية يأمـــر بتسـجيل حيـــاة عفيــفى

أحـــدث الأغانى

من الجوائز التى حصل عليها


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان