محمد عفيفى.. شيخ الموسيقيين والملحنين  
 
جابر بسيونى

بعد أن فرغت من أداء امتحانات الصف الثالث الإعدادى فى صيف 1976م بدأت أتردد على نادى المراسلات الدولية بقصر ثقافة الحرية (مركز الإسكندرية للإبداع حاليا) وقد لفتت نظرى وشدت انتباهى أشياء وصور عديدة استوقفتنى كلما صعدت إلى مقره بالدور الأخير وأخص بالذكر منها: صورة هذا الرجل المُسن الهادئ يجلس فى الدور الأرضى بهذا القصر ممسكاً فى يده سيجارةً مشتعلة ترسل دخانها عبر المكان الفسيح وتوشك على الإنتهاء، تتأمل عيناه فى لوحاتٍ فنية تحيطه من كل جانب، وعرفت -فيما بعد- أنه الفنان المبدع سيف وانلى وتلك صومعته، وفى الدور الأول -بهذا القصر- لم تزل فى ذاكرتى صورة الشاعر أحمد على السمرة يجلس على قمّة مائدة طويلة وحوله لفيف من الشعراء والأدباء شباباً وشيوخاً، وتلك الندوة الأدبية الأسبوعية مكانها -الآن- قاعة الأديب يوسف عز الدين عيسى، ولقد كان لرغبتى فى العزف على آلة "الكمنجا" حرصى على الدخول إلى حجرة الموسيقى التى كان يقود الكورال الموسيقى فيها الأستاذ "روفائيلى" الذى أرشدنى إلى الذهاب إلى الأستاذ الموسيقار محمد عفيفى لكى أتعلم على يديه وأنهل من خبرته فى تدريب ورعاية الواعدين من النشء، ولقد سعيت إليه وسعدت بمقابلته: سمح الملامح، طيب الترحيب، أسمر البشرة، طويل القامة، قليل الكلمات، تشعر بعد دقائق من لقائه بأمان اللحظة وطول العِشْرة والمعرفة، تأنس إليه ولا تمل حضرته، أحسن مقابلتى ولم يقصّر فى توجيهى حتى اكتشفت -بعد وقت غير طويل- أن ضالتى تنادينى من حجرة الأدب فاتجهت إليها حافظاً جميل الأستاذ "محمد عفيفى" وفضله. 
والموسيقار محمد عفيفى إبن من أبناء الإسكندرية ولد بها بحى كفر عشرى فى الثامن والعشرين من مارس سنة 1913.
عشق فى طفولته الاستماع إلى ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب وانبهر بها حتى استمع إلى موسيقى وألحان الموسيقار خالد الذكر سيد درويش واكتشف أنها المنهل الأساسى لألحان عبد الوهاب فانصرف إليها عاشقاً ومتعمقاً فيها.
ولقد كان هذا العشق بمثابة الشرارة الأولى لبزوغ موهبته فى العزف على آلة العود التى كان لوالده موقف رافض لها، فقام بكسر العود فى يد ابنه "محمد" موبخاً إياه، ولكنه سرعان ما يعود إلى مصالحته واستمالة رضاه بمنحه القدر اللازم من النقود لشراء آلة عود آخرى وسْط دهشة الصغير بين ثورة الرفض ورقّة الرضاء.
ولقد حرص محمد عفيفى على تدعيم عشقه للموسيقى بالتحصيل العلمى والدراسة المتخصصة وقد تحقق له ذلك حتى نال دبلوم الدراسات التثقيفية للموسيقيين المحترفين عام 1940 مع صديقيه الموسيقار خليل المصرى والموسيقار محمود الشريف.
ولقد كان لمنزله بشارع المحكمة بحى محرم بك بالإسكندرية مواقف مؤثرة فى حياته الفنية فى الفترة من 1949- 1964 ولعل أهمها أن مطربة القطرين "فتحية أحمد" قد دقت بابه، ودخلت حجرة استقباله بغية التعاون الفنى مع ملحن أغنيات أختها "مفيدة أحمد" الشهيرة فسعت إليه فى منزله وهى فى قمة شهرتها الفنية.
ولقد أثمر هذا التعاون الفنى عن سبعة ألحان للموسيقار محمد عفيفى شدت بهن مطربة القطرين فتحية أحمد فى الفترة من 1952-1954 ومنها "مصر الحرة"، و "يا ليل يا ليل" و"عهود النيل" و"أحب القمر" وبهذه الألحان صار محمد عفيفى أحد أربعة لحنوا لها وهم: محمد القصبجى، زكريا أحمد، ورياض السنباطى.
ولقد كان لذيوع ألحانه فى هذه الفترة أن طلبت كوكب الشرق أم كلثوم منه ألحانا وبالفعل قام بتلحين ثلاث أغنيات لها وهم: "إنتَ جيت"، و"حلفتلى" و"الدنيا غنت" ولكنها لم تشدو بها ولم يتحقق اللقاء الفنى بينهما لسببٍ لا يزال مجهولاً ولم يكشف عنه لأحد.
وقد قام محمد عفيفى بالغناء من ألحانه على غرار ما فعل عدد من الملحنين أمثال رياض السنباطى وفريد الأطرش ومن قبلهما محمد عبد الوهاب ومن أشهر أغنيات عفيفى الأغنية الشهيرة "أفكر فيكى" ويعتبره الكثيرون سادس الخمسة الكبار فى عالم الموسيقى والتلحين: سيد درويش، القصبجى، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطى، ولذا كرمته مصر فى مناسبات عديدة فحصل على وسام الدولة فى الفنون والآداب إلى جانب كثير من الجوائز، ونشرت وزارة الثقافة جانباً من حياته وأعماله فى كتاب باسم "أعلام الإسكندرية" ضم شخصيات بارزة أخرى أحبوا المدينة وتمسكوا بها بعيداً عن الأضواء. 
ولقد استمر مشواره الفنى لأكثر من سبعين عاماً قدّم فيها العشرات من الأصوات المعروفة فى تاريخ الغناء المصرى والتى لمعت فى القاهرة وأيضاً فى الإسكندرية ومنها كارم محمود، وفايد محمد فايد، وعزت عوض الله وإكرام. 
وتتميز ألحان محمد عفيفى بامتزاج الشجن بالروح المصرية التى تبعث من جمله الموسيقية فتكتب لها الدوام.
وأجل ما قدّم من عطاء يتجلّى فى رعايته للموهوبين من الشباب سواء فى مجال اللحن أو فى مجال الغناء ولقد استمر عطاؤه فى هذا منذ عام 1964 وهو العام الذى انتقل فيه من حى محرم بك إلى منزله بحى العصافرة بحرى مع أسرته المكونة من زوجة وبنتين وولدين وفى هذا المنزل بدأ فى تحفيظ تراث سيد درويش الموسيقى وفى عام 1967 أنشأ كورال سيد درويش الذى ظل يقدم عروضه الفنية خمسة وعشرين عاماً.
ويحسب له رأيه الراجح إذا ما تضاربت الآراء فى موضوع موسيقى ويشهد له بعمق إطلاعه على التراث العربى الموسيقى وحسْن حفظه لألحان قديمة للعديد من روّاد هذا الفن. 
كما أنشأ فرقة الموسيقى العربية بقصر ثقافة الحرية التى كان هدفها الأساسى الحفاظ على تراث سيد درويش وبيرم التونسى أبناء الإسكندرية. 
وقد أشرف على شعبة الموسيقى والغناء بمحافظة الإسكندرية كما اعتمد أستاذا للموسيقى الشرقية بوزارة الثقافة وهو أول من قام بتدريس الموسيقى بأوّل مركز افتتح للجامعة الشعبية ومعهد الموسيقى العربية بالإسكندرية عام 1946-1964 وقدم جميع ألحان مهرجان ثقافة الطفل الذى عقد بالإسكندرية فى السبعينات وقدّم -أيضاً- للإذاعات المصرية المختلفة أكثر من سبع مائة لحن وطقطوقة موسيقية وعشرة أوبريتات منها "استعراض الزهور" و"السوق" و"مصباح علاء الدين" ولإذاعة الإسكندرية أوبريت "موكب الزمان" و"رحلة للعجمى".
كما وضع الموسيقى التصويرية للعديد من المسرحيات منها: "الفتى حمدان" و"الوصية" وقام بتلحين خمسة أعمال من كلمات "محمود بيرم التونسى" ومنها: على السين يا مصر مشيت وقد حصل على العديد من الجوائز تقديراً لجهوده المثمرة فى مجال الموسيقى العربية ومنها: 
- تذكار من الرئاسة العامة لرعاية الشباب عام 1968م 
- وسام لجنة الفنون والآداب للاتحاد الاشتراكى العربى بالإسكندرية عام 1970م.
- جائزة مالية "مرتب شهرى" بقرار من السيد اللواء/ حمدى عاشور محافظ الإسكندرية عن نشيد "البيان 30 مارس" عام 1970
- جائزة الجدارة فى عيد الفن والثقافة عام 1979 بترشيح من نقابة المهن الموسيقية 
- وسام الاتحاد العام للشركات فى عامى 1987-1988م 
- درع الذكرى المئوية لميلاد فنان الشعب سيد درويش عام 1992م
وأيضاً حصل على العديد من شهادات التقدير الرفيعة المستوى منها:
- شهادة تقدير من وزارة الثقافة سلمها له سعد الدين وهبة فى مسابقة الموسيقى والغناء عام 1971.
- شهادة تقدير من محافظة الإسكندرية لخدمته للحركة الثقافية والفنية بالإسكندرية عام 1976 سلمها له اللواء عبد التواب هديب محافظ الإسكندرية.
- شهادة تقدير من قصر التذوق الفنى بسيدى جابر فى حفل تكريم الرواد للإبداع المتميّز عام 1998م.
- شهادة تقدير من ركن محبى موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب لجهودة المبدعة فى مجال الموسيقى والغناء عام 2001م
وفى حياته أشادت أقلام كبار المبدعين والمتخصصين فى فن الموسيقى بإبداعه ومنها:
- قول عبد المنعم البارودى/ للنقد فقط - الأخبار- 7 مارس 1993: "محمد عفيفى أمضى خمسين عاماً فى تحفيظ ألحان سيد درويش"
- وقول عبد الله أحمد عبد الله "ميكى ماوس" -المساء- 13 إبريل 1990م: "فريق كورال قصر ثقافة الحرية-كورال سيد درويش- فريق موثوق بقدرته الفنية عزفاً وغناء ودائماً أحرص على سماعه كلما أتيح لى ذلك فى الإسكندرية وقائده الفنان/ محمد عفيفى أعرفه منذ الأربعينات وسمعت ألحانه، ويعجبنى وفاء الفريق وقائده لتراث بلدياتكم العظيم سيد درويش"
وللموسيقار الراحل محمد عفيفى أقوال مأثورة لا نزال نرددها:
- "إذا أردت أن تعرف شعباً استمع إلى موسيقاه فالموسيقى وجدان الشعوب"
- "الأسرة أهم من الشهرة، والصحة أهم من المال"
- "أم كلثوم كانت تخشى منافسة فتحية أحمد" 
- "بيرم كان لا يخشى أحداً، ولهذا كان شعره صادقاًَ" 
- "لا مانع من التحديث، ولكن لا يمكن أن تخلو موسيقانا من بعض الطرب"
- "لابد للموسيقى الجيد أن يكون مثقفاً وأن يجيد لغته"
- "محمود الشريف كان صديقى جمعتنا الإسكندرية وفرقتنا القاهرة"
- "الموسيقى الحقيقى يظل هاوياً" 
ومن أجمل ملامح شخصية الموسيقار محمد عفيفى هذا الملمح الإيمانى العميق فرغم تعرضه لحادث قطار أليم إلا أنه ظل شاكراً حامداً لله سبحانه وتعالى يبتسم فى وجه زواره وتلاميذه الكُثر بمنزله الكائن بشارع الصديقات بحى العصافرة بحرى بالإسكندرية حتى وافته المنية فى الثامن عشر من يناير عام 2003م 
ويقف الآن ابنه الدكتور أسامة طبيب الأسنان والملحن السكندرى على جمع تراثه الفنى والإعداد للاحتفال بذكراه سنوياً من خلال مسابقة فنية لاكتشاف الأصوات الجديدة تحمل اسمه، كما أنه لا يألو عوناً فى سبيل تمهيد السبل لمن يرغب فى الإطلالة على فن أبيه وإبداعه الموسيقى وفقه الله، ورحم أباه.
جابر بسيونى
إبريل 2003

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

محمد عفيفى.. شيخ الموسيقيين والملحنين

عفيفى.. والإسكندرية!

عفيفى.. والفن!

عفيفى.. والآخرون!

محمد عفيفى.. سيرة حياته

السجل الفنى - من أعماله الفنية

تسجيلات

محــافظ الإســكندرية يأمـــر بتسـجيل حيـــاة عفيــفى

أحـــدث الأغانى

من الجوائز التى حصل عليها


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان